ابن الجوزي
206
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : ( إلى الله ) المعنى : إني لا أشكو إليكم ، وذلك لما عنفوه بما تقدم ذكره . وروى الحاكم أبو عبد الله في " صحيحه " من حديث أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كان ليعقوب أخ مؤاخ ، فقال له ذات يوم : يا يعقوب ، ما الذي أذهب بصرك ؟ وما الذي قوس ظهرك ؟ قال : أما الذي أذهب بصري ، فالبكاء على يوسف ، وأما الذي قوس ظهري ، فالحزن على بنيامين ، فأتاه جبريل ، فقال : يا يعقوب إن الله يقرئك السلام ويقول لك : أما تستحي أن تشكو إلى غيري ؟ فقال : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، فقال جبريل : الله أعلم بما تشكو ، ثم قال يعقوب : أي رب ، أما ترحم الشيخ الكبير ؟ أذهبت بصري ، وقوست ظهري ، فاردد علي ريحاني أشمه شمة قبل الموت ، ثم اصنع بي يا رب ما شئت ، فأتاه جبريل ، فقال : يا يعقوب ، إن الله يقرأ عليك السلام ويقول : أبشر ، فوعزتي لو كانا ميتين لنشرتهما لك ، اصنع طعاما للمساكين ، فإن أحب عبادي إلي المساكين ، وتدري لم أذهبت بصرك ، وقوست ظهرك ، وصنع إخوة يوسف بيوسف ما صنعوا ؟ لأنكم ذبحتم شاة ، فأتاكم فلان المسكين وهو صائم ، فلم تطعموه منها . فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغداء أمر مناديا فنادى : ألا من أراد الغداء من المساكين فليتغد مع يعقوب ، وإذا كان صائما أمر مناديا فنادى : من كان صائما فليفطر مع يعقوب . وقال وهب بن منبه : أوحى الله تعالى إلى يعقوب : أتدري لم عاقبتك وحبست عنك يوسف ثمانين سنة ؟ قال : لا ، قال : لأنك شويت عناقا وقترت على جارك وأكلت ولم تطعمه . وذكر بعضهم أن السبب في ذلك أن يعقوب ذبح عجل بقرة بين يديها ، وهي تخور ، فلم يرحمها . فإن قيل : كيف صبر يوسف عن أبيه بعد أن صار ملكا ؟ فقد ذكر المفسرون عنه ثلاثة أجوبة : أحدها : أنه يجوز أن يكون ذلك عن أمر الله تعالى ، وهو الأظهر . والثاني : لئلا يظن الملك بتعجيل استدعائه أهله ، شدة فاقتهم . والثالث : أنه أحب بعد خروجه من السجن أن يدرج نفسه إلى كمال السرور . والصحيح أن ذلك كان عن أمر الله تعالى ، ليرفع درجة يعقوب بالصبر على البلاء . وكان يوسف يلاقي من الحزن لأجل حزن أبيه عظيما ، ولا يقدر على دفع سببه . قوله تعالى : ( وأعلم من الله مالا تعلمون ) فيه أربعة أقوال : أحدها : أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأنا سنسجد له ، رواه العوفي عن ابن عباس . والثاني : أعلم من سلامة يوسف مالا تعلمون . قال ابن السائب : وذلك أن ملك الموت أتاه ، فقال له يعقوب : هل قبضت روح ابني يوسف ؟ قال : لا . والثالث : أعلم من رحمة الله وقدرته مالا تعلمون ، قاله عطاء .